Breaking

25‏/06‏/2011

مشكلة تحديد وقتي صلاة العشاء والفجر في المناطق الجغرافية المتطرفة مكانيّاً

مشكلة تحديد وقتي العشاء والفجر في المناطق الجغرافية المتطرفة مكانيّاً
 
مشكلة تحديد وقتي العشاء والفجر
في المناطق الجغرافية المتطرفة مكانيّ
"دراسة في الجغرافية الفلكية"
 
د. عبدالله عبدالرحمن المسند
عضو هيئة التدريس بقسم الجغرافيا بجامعة القصيم والمشرف على جوال كون
المملكة العربية السعودية
1431هـ - 2010م
almisnid@yahoo.com
www.almisnid.com
  twitter
  بسم الله الرحمن الرحيم

ملخص البحث. تواجه المناطق الجغرافية ذات الموقع الفلكي المتطرف والتي تقع فوق درجة عرض خمسين شمال وجنوب خط الاستواء مشكلة في تحديد وقتي صلاة العشاء والفجر، وذلك في فصل الصيف عندما يطول النهار ويقصر الليل، حيث تظهر فيها مشكلة اتصال الشفقين (شفق الغروب بشفق الشروق) واتصال وقتي المغرب بالفجر، وانعدام العلامة الفلكية الشرعية المحددة لدخول وقت صلاتي العشاء والفجر.

ولهذا وقع المسلمون هناك في حرج ومشقة وخلاف، واجتهادات في تحديد وقت دخول الوقت الشرعي لصلاتي العشاء والفجر وفقاً للأمارات الفلكية الشرعية التي حددها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وانسحب هذا أيضاً على وقت بدء الإمساك للصائمين.

وتأتي هذه الدراسة لتطرح آلية علمية فقهية عملية، في حالة انعدام علامة وقت العشاء أو تأخرها بصورة تشق على المصلين، وتكون الآلية تلك منسجمة مع معطيات وتوجيهات الشريعة في التأكيد على أهمية أداء الصلاة في وقتها، ومتناغمة في الوقت نفسه مع سماحة الشارع الحكيم خاصة مع وجود المشقة، كما يناقش البحث بعض الحلول الفقهية المطروحة والمشهورة والمبنية على التقدير، حيث يكشف البحث ضعفها العلمي، وصعوبة تطبيقها العملي.

وخلص البحث إلى أهمية الاعتماد على العلامة الشرعية الفلكية، والمتمثلة بغروب الشفق الأحمر طالما كان الشفق يغرب في أي وقت من الليل التزاماً بالنص الشرعي، وليس لأحد أن يجتهد في تقدير وقت الصلاة بداية ونهاية مع وجود العلامة الفلكية الشرعية التي وردت في الحديث، ولكن عندما يغرب الشفق الأحمر في وقت متأخر، ويشق على المسلمين الانتظار، أو إن لم يغرب الشفق الأحمر، واتصل الشفقان (شفق الغروب بشفق الشروق) يصار إلى الجمع ما بين المغرب والعشاء؛ لوجود المشقة ورفعاً للحرج في الأولى، ولانعدام الوقت في الثانية والله أعلم.

*****
  توطئة :
الحمد لله القائل: ]إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا[ النساء آية 103، والصلاة والسلام على نبينا المصطفى المختار محمد صلى الله عليه وسلم القائل: (َصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) "صحيح البخاري"  ... وبعد:

عُني الإسلام بالوقت بصورة جعلته قطب الرحى الذي تدور عليه الكثير من العبادات العملية والقولية، فعلى سبيل المثال ربط الإسلام بعض العبادات بحركة الشمس اليومية في القبة الفلكية، وبعضها بحركة القمر الشهرية في القبة الفلكية، لذا جاء الوقت ليكون شرطاً لصحة الصلاة المكتوبة، وعليه وجب على المسلم أن يتحرى دخول وقت الصلاة وخروجه، من أجل أن يصلي فروضه وفق المواقيت الزمنية التي حددها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بالتفصيل المبسوط في مظانه من متون كتب الحديث والفقه وشروحهما.

والمناطق الجغرافية ذات الموقع الفلكي المتطرف، والتي تقع أعلى من درجة عرض 34´48° شمال خط الاستواء وجنوبه تواجه مشكلة في تحديد وقتي صلاة العشاء والفجر، وذلك في فصل الصيف، عندما يطول النهار ويقصر الليل، حيث لا ينخفض قرص الشمس تحت الأفق بالدرجة الكافية لاختفاء الشفق وغروبه، فتظهر بذلك مشكلة اتصال الشفقين (شفق الغروب وشفق الشروق)، واتصال وقت المغرب بوقت الفجر، وانعدام العلامة الفلكية الشرعية المحدِّدة لخروج وقت المغرب، ودخول وقت العشاء وخروجه، وكذلك دخول وقت الفجر.

وبسبب ذلك وقع المسلمون هناك في حرج ومشقة في تحديد موعد وقت صلاة الفجر والعشاء على وجه الخصوص، وفقاً للأمارات الفلكية الشرعية التي حددها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بل وأوقعت تلك المشكلة المسلمين في خلاف وشقاق، واجتهادات في تحديد وقت دخول الوقت الشرعي للصلاة، وبدء الإمساك للصائمين أيضاً، ومما زاد الطين بِلة اختلاف الفقهاء في الفتوى حيال تلكم المشكلة بصورة واسعة وشائكة.

وتأتي هذه الدراسة العصرية لطرح آلية علمية فقهية عملية، وذلك في حالة انعدام علامة دخول وقت الفجر أو العشاء، أو تأخر وقت صلاة العشاء بصورة تشق على المصلين، وتكون تلك الآلية منسجمة مع معطيات وتوجيهات الشريعة في تأكيد أهمية أداء الصلاة في وقتها، ومتناغمة في الوقت نفسه مع سماحة الشارع الحكيم خاصة مع وجود المشقة، كما يناقش البحث الحلول الفقهية المطروحة والمشهورة لحل المشكلة، والمبنية على التقدير وفقاً لآراء الفقهاء المتعددة.

أهداف البحث:
يهدف البحث إلى تحقيق ما يلي:
1.عرض علمي لمشكلة تحديد وقتي الفجر والعشاء في المواقع الجغرافية المتطرفة مكانيّاً.
2.تحديد درجة العرض الجغرافي التي تبدأ عندها المشكلة.
3.استعراض أشهر أقوال الفقهاء في هذه المسألة الفقهية واجتهاداتهم، ومناقشتها.
4.اختيار حل يعبر عن رأي الباحث في هذه المسألة الفقهية الفلكية الجغرافية.
 

*****

أولاً: أسباب كتابة البحث:
عام 2000م كنت مبتعثاً إلى مدينة نورج NORWICH الواقعة إلى الشرق من بريطانيا وذلك لدراسة الدكتوراه، ولما حل فصل الصيف هناك لفت انتباهي الآلية التي يعتمدها المسلمون في مدينة نورج (38َ 52ْ شمالاً ، 16َ 01ْ شرقاً)، وفي بريطانيا على وجه العموم، في تحديد وقت صلاة العشاء، وذلك بعد الغروب بساعة ونصف الساعة طول السنة!!، وهو ما قادني (وفقاً لاهتماماتي وتخصصي) إلى البحث والتقصي في هذه المسألة الفقهية الفلكية الجغرافية، ومناقشة بعض المهتمين بها، حيث وجدت كثيراً من المساجد في بريطانيا يصلون العشاء قبل وقتها الشرعي في معظم السنة!، اعتماداً على قاعدة ساعة ونصف الساعة بعد المغرب! وهي القاعدة المتبعة في تقويم أم القرى وبعض التقاويم الإسلامية، وبعد أن كشفت خطأ الآلية المعمول بها في التقويم هناك؛ كلفتني الجمعية الإسلامية بنورج، بعمل تقويم بديل ينسجم مع الدلالات الفلكية المنصوص عليها في الحديث الشريف في شأن دخول وقت الصلاة الشرعي وفقاً للعلامات الفلكية، فشرعت بعمل التقويم بصورة أزعم أنها هي الأقرب للصواب والله أعلم، وهذا ـ ولله الحمد ـ جمع شمل المسلمين هناك تحت رأي واحد، وخلف إمام واحد، وحظي بالقبول الواسع نظراً لتناغم الرأي المختار مع معطيات الشريعة الكلية، (والتقويم قائم ومعمول به حتى الآن 2011م) كما قمت بكتابة تقرير يوضح ويكشف الآلية التي اعتمدت عليها.
 

*****

ثانياً: التحديد المكاني والزماني للمشكلة:
رُبطت مواقيت الصلاة في الإسلام بحركة الشمس الظاهرية اليومية، والعلامات التي حددها الإسلام لمعرفة دخول وقت الصلاة قائمة ومشاهدة في كل بقاع المعمورة، عدا مناطق جغرافية سميتها: بالمناطق الجغرافية المتطرفة مكانيّاً، ولتحديد تلك المناطق وفقاً لدوائر العرض الجغرافي، والتحديد الزمني لبداية ظهور المشكلة في وقتي الفجر والعشاء، قام الباحث بحساب وقت الصلاة اعتماداً على برنامجAccurate Times [1] وتبين للباحث ما يلي:

عند اعتماد درجة انخفاض الشمس بمقدار 18 درجة تحت الأفق، وهو وقت دخول صلاتي العشاء والفجر عند بعض المؤقتين والجهات الإسلامية المعنية، تبين أن الشمس لا تنخفض أسفل من 18 درجة تحت الأفق الغربي، ويبقى الشفق الأحمر فوق الأفق، ويتصل وقت المغرب بوقت الفجر، ومن هنا تبدأ المشكلة، وبالتحديد المكاني والزماني من خط عرض 34´48° شمال خط الاستواء، حيث تبدأ المشكلة كل عام من يوم 19 يونيو حتى 21 يونيو أي ثلاثة أيام فقط، وكلما اتجهنا نحو الشمال أكثر زادت الفترة الزمنية اتساعاً، فمثلاً عند خط عرض 49 شمالاً: الشفق الأحمر لا يغرب تحت 18 درجة من يوم 10 يونيو حتى 2 يوليو، ولفترة زمنية طولها 23 يوماً، بينما عند خط عرض 50 شمالاً: الشفق لا يغرب تحت 18 درجة من 31 مايو حتى 11 يوليو، ولفترة زمنية طولها 42 يوماً وهكذا وفقاً للتفاصيل المجدولة في جدول رقم 1.



  جدول رقم 1 يوضح درجات العرض وعلاقتها ببقاء الشفق الأحمر.     

وعليه نستطيع تسمية دائرة عرض 34´48° بدائرة ظهور المشكلة أو بخط ظهور المشكلة والذي تبدأ عنده مشكلة بقاء الشفق الأحمر فوق الأفق طول الليل حتى يتصل بشفق الفجر، وذلك في أيام معدودة من فصل الصيف الشمالي، انظر خريطة رقم 1.
وكلما تقلصت زاوية انخفاض الشمس تحت الأفق عن 18 درجة - كأن تكون 15 درجة على سبيل المثال - تقلصت الفترة الزمنية، والرقعة المكانية التي تظهر فيها المشكلة، لذا عندما نعتمد لوقت الفجر زاوية 15 درجة تحت الأفق كما هو معتمد في تقويم وآلية إسنا ISNA [2] على سبيل المثال، فإن المشكلة لا تظهر إلا عند دائرة عرض 34´50°.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى وعند دائرة عرض 48´65° بالتحديد، تبدأ ظاهرة أخرى وهي بقاء الشمس فوق الأفق لأربع وعشرين ساعة، من يوم 20 يونيو ولمدة يومين فقط، بينما عند دائرة عرض 66 تصل الفترة إلى 16 يوماً، وهكذا كلما اتجهنا شمالاً ازدادت فترة بقاء الشمس فوق الأفق دون أن تغرب، حتى نصل إلى نقطة القطب 90 درجة عندها تبقى الشمس مشرقة ستة أشهر، والبحث لن يتعرض لهذه المشكلة بالتحديد.



خريطة رقم 1 توضح خط عرض 34´48° الذي تبدأ عنده مشكلة بقاء الشفق الأحمر طول الليل في بعض أيام فصل الصيف الشمالي والشتاء للنصف الجنوبي.      

*****
ثالثاً: الدول التي تظهر فيها المشكلة:
عند اعتماد درجة انخفاض الشمس 18 درجة لدخول وقتي الفجر والعشاء فإن المشكلة تظهر مكانيّاً عند دائرة عرض 34´48° شمال خط الاستواء في فصل الصيف وجنوب خط الاستواء في فصل الشتاء، وهذه تشمل الدول التالية الواردة في جدول رقم 2، انظر خريطة رقم 2:



  جدول رقم 2 يوضح الدول التي تظهر فيها مشكلة تحديد وقتي الفجر والعشاء.



خريطة رقم 2 توضح المنطقة من العالم التي تواجه مشكلة في تحديد وقتي الفجر والعشاء .
               
*****
رابعاً: أوقات الصلوات الخمس في المناطق الجغرافية المتطرفة مكانيّاً:
بعد استقراء آلية دخول مواقيت الصلاة في المناطق الجغرافية التي تقع إلى الشمال من خط ظهور المشكلة أو دائرة ظهور المشكلة (34´48°) ـ كما سميتها ـ حتى دائرة عرض 48´65° تبين ما يلي:

1- أن أوقات شروق الشمس وصلاة الظهر وصلاة العصر وصلاة المغرب لا يوجد فيها مشكلة تذكر، من حيث وجود العلامات الشرعية الفلكية المحددة لهذه الأوقات والتي تتكرر خلال 24 ساعة، والتقاويم القائمة منسجمة مع ما ورد في السنة المطهرة ولله الحمد.

2- وقت صلاة الفجر يبدأ من ظهور النور المعترض في شرق القبة الفلكية، ويظهر عندما تكون الشمس تحت الأفق الشرقي ما بين 15 و 19.5 درجة (على تباين بين الحسابات الفلكية)، فإذا ما اعتمدنا على 18 درجة على سبيل المثال (وكما هو معتمد عند رابطة العالم الإسلامي)  [2]فستظهر المشكلة عند دائرة عرض  34´48° شمالاً من يوم 19 يونيو حتى 21 يونيو، أي لمدة ثلاثة أيام فقط، بينما إذا اعتمدنا 15 درجة في حساب وقت دخول الفجر (كما هو معتمد عند إسنا ISNA) فستظهر المشكلة عند دائرة عرض 34´51° شمالاً وذلك من يوم 20 يونيو حتى 21 منه ولمدة يومين فقط، وبالطبع كلما اتجهنا شمالاً طالت الفترة الزمنية.

والمشكلة هنا تتمثل باتصال الشفقين (شفق الغروب وشفق الشروق)، أو بعبارة أخرى باتصال وقت صلاة المغرب بوقت صلاة الفجر، وامتزاجهما في وقت وزمن واحد، وهذا يعني أن بداية وقت صلاة الفجر غير واضحة في أيام محددة من فصل الصيف، لذا ومن خلال بحث المسألة والتأمل فيها تبين أن بعض التقاويم المطبوعة والمعمول بها، وبعض البرامج الحاسوبية المصممة لحساب وقت الصلاة تعاملت مع مشكلة دخول وقت الفجر على النحو التالي:

تعمد إلى إدخال وقت صلاة الفجر قبل شروق الشمس بساعة ونصف الساعة خلال فترة ظهور مشكلة الصيف، وأحياناً يستخدمون الآلية نفسها طول السنة، وأحسب أنه في كلتا الحالتين يكون وقت صلاة الفجر في وقته الشرعي ولله الحمد، وهذه القاعدة أزعم أنها حل جيد لمشكلة البلدان المتطرفة، ولا يعني هذا بالضرورة أن القاعدة تنسحب على البلدان التي تقع إلى الجنوب من خط عرض المشكلة (34´48°).

وخلاصة القول أن وقت صلاة الفجر ليس فيه مشكلة في هذه العروض الجغرافية المتطرفة، والتي تغرب فيها الشمس وفيها ليل يعقب النهار، طالما اعتمدنا القاعدة السالفة في فصل الصيف أو طول العام، إذ إن صلاة الفجر تقع في وقتها الشرعي، ولكن لا يُعتمد على تلك الآلية في الإمساك لمن أراد الصيام؛ لكون الوقت الحقيقي للفجر في بعض الأيام من السنة يدخل بوقت يسبق المدون في التقويم بـوقت يختلف من شهر لآخر، طبقاً للتباين بين الفصول الأربعة، لذا يُفضل إدراج إمساكية خاصة بالصيام أو الاعتماد على بزوغ الفجر الصادق بدلاً من آلية ساعة ونصف الساعة، بينما في وقت الصيف والذي لا يغرب فيه الشفق يحدد وقت الفجر بالتقدير أي يثبت وقت آخر يوم فيه غروب وشروق للشفق الأحمر، وهو قريب من منتصف الليل بقليل على الصفة التي سنشرحها لاحقاً بشأن مشكلة وقت صلاة العشاء.

3- وقت صلاة العشاء ويبدأ من غروب الشفق الأحمر في الأفق الغربي، ويكون هذا عندما تكون الشمس تحت الأفق الغربي بدرجات تختلف من آلية إلى أخرى بدءاً من 15 درجة حتى 18 درجة تحت الأفق. وأزعم أن المشكلة في مواقيت الصلاة في المواقع الجغرافية المتطرفة تكمن في وقت صلاة العشاء بالتحديد، وعلى وجه الخصوص في بعض أيام الصيف - أو كل فصل الصيف حسب الموقع الجغرافي - والتي تضيع معها علامات صلاة العشاء بالكلية، فما هو الحل لمواجهة تلك المشكلة الفقهية الفلكية المعقدة؟
 *****
خامساً: آراء الفقهاء في حل المشكلة:
اختلف الفقهاء الذين ناقشوا مشكلة الصيف المتمثلة في بقاء الشفق الأحمر دون غروب على عدة آراء هي:
الأول: الاعتماد على التوقيت الوسطي لمكة المكرمة، وهو ساعة ونصف الساعة بين أذان المغرب وأذان العشاء.
الثاني: الاعتماد على آخر يوم تظهر فيه العلامة الفلكية في المكان نفسه.
الثالث: تقليد أقرب مكان تظهر فيه العلامة الفلكية (أي يغرب فيه الشفق الأحمر).
الرابع: الجمع بين المغرب والعشاء.

*****

سادساً: مناقشة الحلول المطروحة من أصحاب الفضيلة الفقهاء لمشكلة دخول وقت العشاء في فصل الصيف:

1- بعض التقاويم تعتمد على قاعدة تقويم أم القرى والتي تتمثل بساعة ونصف الساعة فارقاً بين غروب الشمس ودخول صلاة العشاء، وهذه الآلية وإن كان بعض الفقهاء يراها حلاًّ لمشكلة الصيف، ولكن هذا لا يعني أن نتبنى الفكرة طول السنة أي في الأوقات التي يغرب فيها الشفق وتوجد العلامة الشرعية المحددة سلفاً من الشارع الحكيم، إذ تكمن هنا مشكلة خطيرة جدّاً وتتمثل بإدخال وقت صلاة العشاء قبل وقتها الشرعي أي قبل غروب الشفق الأحمر، وهذا رأيته مطبقاً طول العام في بعض التقاويم في بريطانيا، مما يعني أن بعض المسلمين يصلون العشاء قبل دخول وقتها معظم السنة!! لأنه وحسب التتبع تبين أن الشفق الأحمر لا يغرب إلا بعد مرور أكثر من ساعة وخمس وثلاثين دقيقة على الأقل، بل يصل إلى ثلاث ساعات في بعض المواقع في بريطانيا على سبيل المثال لا الحصر، مما يعني أن من يعتمد على قاعدة ساعة ونصف الساعة بعد الغروب سيصلي العشاء قبل الوقت!.

ويظهر أن المسلمين اضطروا إلى وضع تلك القاعدة (ساعة ونصف الساعة بعد الغروب) والاعتماد عليها لحل المشكلة التي تظهر في أشهر الصيف بطول زمني يختلف من موقع إلى آخر، فكلما اتجهنا شمالاً ازدادت الأيام التي لا يغرب فيها الشفق الأحمر والعكس صحيح، لذا أرى أن يعتمد المسلمون على القاعدة التي جاءت بها السنة والمتمثلة بغروب الشفق الأحمر إذا كان يغرب، فمتى ما غرب الشفق دخل وقت صلاة العشاء، نعتمد ذلك طالما وجدت العلامة الفلكية الشرعية في السماء.

فإذا اختفت العلامة كما يحصل في الصيف، يرى بعض الفقهاء الاعتماد على قاعدة (ساعة ونصف الساعة بعد الغروب) حلاًّ لتلك المشكلة، والتي أرى أنها لا تنسجم مع الأهداف الكلية للشريعة، إذ إن هذا الاجتهاد والتقدير يُلزم المسلمين بالانتظار 90 دقيقة على الرغم من أن الشفق الأحمر لا يغرب بل يتصل بشفق الفجر، ووقت المغرب والعشاء بينهما تداخل في الأصل، قال الشيخ سلمان العودة [3]:
"فأصل المواقيت عند السلف ثلاثة: وقت للظهر والعصر، ووقت للمغرب والعشاء، ووقت للفجر، ولذلك قال تعالى:]أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مشهودا[ الإسراء آية 78، قال كثير من المفسرين من الصحابة، ومن بعدهم كعمر، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس، وغيرهم: دلوك الشمس: زوالها عن كبد السماء، وعليه فدلوكها إشارة إلى وقت الظهر والعصر المشترك، وغسق الليل: ظلمته، وعليه فهو إشارة إلى وقت المغرب والعشاء المشترك، ثم ذكر قرآن الفجر؛ لأن وقتها خاص بها لا يشاركها فيه صلاة أخرى." أهـ.

قلت: ولا شك أن انتظار المسلمين صلاة العشاء لساعة ونصف الساعة ليس له معنى، بل ويجعل المصلي في حرج من التأخير، لذا أرى أن يُعدل عن هذا الرأي والاجتهاد الذي يُحمّل المسلمين مشقة وعسراً، إذ إن صلاتهم للعشاء بعد ساعة ونصف الساعة واقعة حقيقة في وقت المغرب؛ لأن الشفق لم يغرب بعد، لذا فهم في الواقع قد جمعوا المغرب مع العشاء دون أن يشعروا، لأنهم أدوا العشاء في وقت المغرب، ولكن بفاصل دام 90 دقيقة، فلماذا هذا الالتفاف، والتعقيد للمسألة؟ بينما الرخصة موجودة، وتُفعّل لما هو أقل من ذلك، فقد جمع المشرع عليه الصلاة والسلام بين المغرب والعشاء من غير سفر ولا مطر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: (صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ ثَمَانِيًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا، قُلْتُ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لاَ يُحْرِجَ أُمَّتَهُ. قَالَ: وَهُوَ مُقِيمٌ مِنْ غَيْرِ سَفَرٍ، وَلاَ خَوْفٍ) "صحيح ابن خزيمة".

هذا من جهة، ومن جهة أخرى ليس لآلية ساعة ونصف الساعة أصل شرعي، أو حتى فلكي، فإذا قيل: قياساً على التوقيت الوسطي لمكة المكرمة، قلت: إن وقت العشاء في مكة المكرمة يقع بعد المغرب بساعة و 11 دقيقة كأقل فارق في العام، ويبلغ أقصاه عندما يكون ساعة و 23 دقيقة، والسؤال: لماذا ينتظر المسلمون 90 دقيقة من أجل وقت العشاء المقدر بظنهم؟ أليس أيسر عليهم أن ينتظروا 71 دقيقة؟ إذا أخذنا بأقل وقت بين المغرب والعشاء وفق توقيت مكة، هذا لمن يرى هذا الرأي طبعاً.

2- ويرى بعض المجتهدين من الفقهاء الفضلاء حلاًّ لمشكلة بقاء الشفق طول الليل، أن يُعتمد على توقيت آخر يوم غرب فيه الشفق الأحمر في المنطقة نفسها.

قلت: إن غروب الشفق في آخر يوم له، وقع قبل منتصف الليل بقليل؛ لذا فمن الصعوبة والحرج إلزام المصلين أن يؤدوا فرضهم عند منتصف الليل، وهذا فيه مشقة، ودعوة إلى السهر وربما يفضي إلى تفويت الصلاة بسبب النوم، كما تبرز المشكلة في شهر رمضان حيث لا يوجد وقت للتراويح ولا للسحور؛ لأن الفجر يعقب منتصف الليل بقليل، وبالتالي سنجد أن صلاة العشاء يعقبها مباشرة صلاة الفجر بصورة تشق على المسلمين، وتفوت عليهم منافع كثيرة، لذا فإني أعتقد أن هذه الآلية غير عملية والله أعلم.

3- ويرى بعض المجتهدين من الفقهاء الفضلاء حلاًّ لمشكلة بقاء الشفق طول الليل أن يُعتمد وقت دخول العشاء وفقاً لغروب الشفق في أقرب بلد لهم جنوباً!.
قلت: وهذا اجتهاد غريب، والآلية لا تنضبط، ويوقع المسلمون في مشقة إضافية، إذ إن المكان الذي يقع إلى الجنوب منهم ويغرب فيه الشفق ستلحقه المشكلة بعد عدة أيام، ومن ثم نضطر إلى اختيار مكان آخر جنوباً وهكذا دواليك، إلا إذا حددنا أن يكون المكان جنوب دائرة ظهور المشكلة 34´48° ، وهنا تبقى المشكلة ماثلة حيث إن الأماكن التي تقع إلى جنوب هذا الخط بقليل ويغرب فيها الشفق الأحمر في الصيف يكون وقت غروبه فيها متأخراً أيضاً، وقريباً من منتصف الليل، وبالتالي لم تُحل المشكلة بل أصبحت معقدة وملتوية، لذا أرى أن يصرف النظر عن هذا الاجتهاد أيضاً، والذي ليس له حظ من العقل ولا النقل؛ لما يترتب عليه من تعقيداتٍ، المسلمون في غنى عنها.

4- بينما بعض الفقهاء الفضلاء يرون أن الحل لهذه المشكلة يكون بالجمع ما بين المغرب والعشاء، وهذا الرأي الذي انتصرتُ له واعتمدته الجمعية الإسلامية في مدينة نورج الواقعة شرق بريطانيا حتى الآن وذلك لعدة أمور أبينها فيما يلي:
 

*****

سابعاً: رأي الباحث في المسألة:
أرى ـ والله أعلم ـ أن نتعامل مع وقت صلاة العشاء في المناطق المتطرفة مكانياً على النحو التالي:

1- يعتمد على العلامة الشرعية الفلكية، والمتمثلة بغروب الشفق الأحمر طالما كان الشفق يغرب في أي وقت من الليل التزاماً بالنص الشرعي، وليس لأحد أن يجتهد في تقدير وقت الصلاة بداية ونهاية مع وجود العلامة الفلكية الشرعية التي وردت في الحديث، لذا نعتمد على غروب الشفق الأحمر لدخول العشاء مهما تأخر بما أنه يغرب في الليل.

وورد في فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية [4] قولهم:
"من كان يقيم في بلاد يتمايز فيها الليل من النهار بطلوع فجر وغروب شمس إلا أن نهارها يطول جدّاً في الصيف ويقصر في الشتاء وجب عليه أن يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعاً؛ لعموم قوله تعالى: ]أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودً[ الإسراء آية 78، وقوله تعالى: ]إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا[. " أهـ.

قلت: ولكن عندما يغرب الشفق الأحمر في وقت متأخر، ويشق على المسلمين الانتظار يصار إلى الجمع ما بين المغرب والعشاء؛ لوجود المشقة ورفعاً للحرج.

2- إن لم يغرب الشفق واتصل الشفقان (شفق الغروب بشفق الشروق) فإن المتأمل في الحالة تلك، سيجد أن وقت صلاة المغرب في مثل هذه الأيام يبدأ من غروب الشمس حتى منتصف الليل تجاوزاً ؛ لأنه في الواقع ليس له نهاية بل يتصل مع الفجر، ووقت صلاة الفجر يبدأ من بعد منتصف الليل إلى شروق الشمس؛ لأن الظلمة تبدأ بالانحسار بعد منتصف الليل، ومن هذا يتضح أن صلاة العشاء ليس لوقتها وجود، في مثل هذه الأحوال فما هو الحل إذاً؟

الحل هو التقدير لها كما ورد في حديث الدجال الذي رواه مسلم في صحيحه وغيره: (قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا: يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ) "صحيح مسلم". ويكون التقدير الذي أجده الأقرب هو كآلاتي:

بعد غروب الشمس تشتد الظلمة أكثر فأكثر كلما اقتربنا من منتصف الليل، ثم يبدأ النور بالزيادة بعد منتصف الليل حتى تشرق الشمس، وعليه نستطيع القول: إن منتصف الليل هو الأقرب لأن يكون وقتاً لصلاة العشاء، ولا أقول هو وقت صلاة العشاء؛ لأن الشفق باق، بل إن آخر يوم غرب فيه الشفق كان قبل منتصف الليل بدقائق قليلة انظر الشكل:



شكل رقم 1: تقسيم أوقات الصلاة الأربع على ساعات اليوم.

ومنه نقول: إن الأقرب للصواب ـ والله أعلم ـ أن تكون صلاة العشاء المقدرة عند منتصف الليل تماماً؛ لسببين:
  أ‌- أن آخر يوم غرب فيه الشفق الأحمر كان قريباً جدّاً من منتصف الليل.
ب‌- أنه الوقت الذي يكون فيه الشفق في أدنى انخفاض له.
ثم نجعل أذان العشاء قبل منتصف الليل بعشر دقائق مثلاً، ويمتد الوقت حتى ما بعد منتصف الليل بعشر دقائق وهو وقت صلاة العشاء (المقدر)، وهو الوقت الذي تكون الظلمة فيه على أشدها، وبالتالي فإن من صلى في هذا الوقت يكون أقرب إلى وقت العشاء ممن صلى بعد الغروب بساعة ونصف الساعة تبعاً للقاعدة المعمول بها في كثير من المساجد في أوروبا.

ولكن تأدية صلاة العشاء في فصل الصيف عند منتصف الليل وفقاً للتقدير السالف فيها مشقة عظيمة على المصلين كما أسلفت، وهذا أمر مجرب، وأيضاً لكون وقت صلاة العشاء المقترح (منتصف الليل) قصيراً جدّاً، والقاعدة الشرعية تقول: المشقة تجلب التيسير، قال تعالى: ]وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ[ الحج آية 78، وقال أيضاً: ]لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا[ البقرة آية 286، و قال صلى الله عليه و سلم: (إِنَّمَا بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ) [5]؛ وقال: (يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا) "صحيح البخاري" لذا وجب أن نوسع على المسلمين ونقول بقول من يرى الجمع بين المغرب والعشاء وفق الأدلة الشرعية المستفيضة في هذا السياق، والحنابلة يجوزون الجمع في ثماني حالات ذكروا منها العجز عن معرفة الوقت [6]، وأحسب أن هذا ينسحب على المسألة التي نحن بصددها.

قال الشيخ سلمان العودة عندما ناقش مسألة تأخر صلاة العشاء في المناطق الجغرافية المتطرفة:
 "يترتب عليه أضرار كبيرة، وحرج، ومشقة، للرجال، والنساء، والصبيان، وهم مرتبطون بأعمال، ومواعيد دراسة، أو دوام، ومشاغل شتى، ويحتاجون للراحة والنوم في هذا الوقت، بل إن هذا التفاوت الكبير في ميعاد أداء الصلاة يترتب عليه تركها، أو الإخلال بها عند كثير منهم ، ولحكمة بالغة جعل الله تعالى مواقيت الصلاة حيث هي في عموم البلاد ، فهي في مقاطع الأوقات، لا تصادف وقت قيلولة، ولا وقت نوم مستغرق"[3] اهـ.

وقال فضيلة الشيخ العلامة يوسف القرضاوي في فتوى حيال هذه المسألة:
" هذه لها حل شرعي، ما جاء في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- الذي رواه مسلم في صحيحة: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المدينة في غير سفر ولا مطر) وفى رواية (في غير خوف ولا سفر) يعني لا خوف ولا مطر ولا سفر، وإنما جمع في المدينة. قالوا لابن عباس: ماذا أراد بذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته، أي أراد رفع الحرج عنها، وهذا الحديث في الواقع يعطينا - يعني- الحل والمفتاح لحل هذه المشكلات التي تتفاوت فيها الأوقات، فيجوز للمسلم إذا كانت العشاء تتأخر - يعني- جدّاً في الصيف أو كذا أنه يجمع العشاء مع المغرب جمع تقديم"[7] اهـ.

وذكر الشيخ الشروطي أن الندوة التي عقدها المركز الإسلامي ببروكسل في بلجيكا سنة 1982 انتهت إلى جواز الجمع بين صلاة المغرب وصلاة العشاء في هذه الفترة التي يصبح فيها وقت صلاة العشاء متأخرًا إلى قرب وقت الفجر، ثم عقد اتحاد المساجد ندوة أخرى عام 1983 بالمسجد الكبير في أمستردام جمعت بين علماء الفلك وعلماء الفقه، وانتهت الندوة إلى تبني الرأي نفسه. [8] اهـ.

وختم فضيلة الشيخ عبدالله بن يوسف الجديع بحثه المفصل والمؤصل: بيان حكم صلاة العشاء في صيف بريطانيا حين يفتقد وقتها بقوله:
"إذا كانت الشريعة صححت الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما رفعاً للحرج مع وجود الوقت لكل منهما، مما أفاد أن الحاجة والعذر يصير وقت كل من الصلاتين وقتاً للأخرى من غير ضرورة، فما نحن بصدده يجعل وقت المغرب وقتاً للعشاء ضرورة؛ لفقدان وقت الأخرى، وهذا من أبين التمثيل لما يسمى بطريق "قياس الأولى" أو "القياس الجلي" أو "فحوى الخطاب". وبه يظهر لك أن أصح المسالك في شأن صلاة العشاء في هذه البلاد حين يفتقد وقتها هو جمعها إلى صلاة المغرب في وقت المغرب وبهذا يزول الحرج وينتفي" [9]  أهـ.

وقد يقول قائل: كيف يُفتى بالجمع بين الصلاتين فترة اتصال الشفقين، وانعدام وقت صلاة العشاء لفترة قد تطول إلى أكثر من شهرين! فهل يجوز لنا أن نجمع العشاءين طول هذه الفترة أو أطول؟

الجواب: الشارع الحكيم لم يحدد زمناً معيناً للاستفادة من الرخصة الشرعية، طالما أن الحاجة قائمة والعذر موجود، والدليل على ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم في فتح أذربيجان مكثوا ستة أشهر يقصرون الصلاة؛ لأن الثلوج قد حالت بينهم وبين دخول المدينة، قال تعالى: ]يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ[ البقرة آية 185. وقال تعالى: ]وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ[ الحج آية 78، فللمسلمين في تلك المناطق أن يجمعوا بين العشاءين فترة وجود المشكلة وقيام المشقة حتى وإن طالت المدة.

ولنا أن نتساءل: لو استمر المطر يهطل طول ثلاثة أشهر وذلك وقت إقامة صلاة المغرب، وقد يستمر حتى وقت العشاء، فهل يجوز لنا الجمع بسبب المطر طول هذه الفترة؟ الجواب: نعم، ولا يوجد صارف يمنع الاستمرار في الجمع وتفعيل الرخصة، طالما أن المطر يهطل وقت صلاة المغرب، وبهذا تتضح المسألة، وتطمئن القلوب، والله أعلم بالصواب.

قال فضيلة الشيخ عبدالله بن يوسف الجديع في بحثه: بيان حكم صلاة العشاء في صيف بريطانيا حين يفتقد وقتها:
"ينبغي أن يدرك أن الرخصة تبقى مستمرة ما استمر سببها، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواظب على قصر الصلاة ما دام مسافراً حتى يرجع إلى المدينة؟ ولو استمر المطر بالناس شهوراً لبقيت لهم رخصة الجمع بين الصلاتين، ولو استمر بالمرأة حمل ورضاع سنين طويلة لبقيت لها رخصة الفطر في رمضان، وهكذا الشأن في كل رخصة ما دام العذر قائماً حتى يزول"[9] أهـ.
 

*****

ثامناً: عندما يتأخر غروب الشفق:
وهناك مشكلة أخرى متفرعة عن الأصل، وهي: ما الحكم عندما يتأخر غروب الشفق الأحمر حتى قبيل منتصف الليل؟. وهذا يقع أيضاً في المناطق التي تقع إلى الجنوب من دائرة عرض المشكلة (34´48°)، فهل يقال للمسلمين هناك صلوا العشاء بوقتها وإن تأخر؟
الجواب: من خلال التجربة يتضح أن المسلمين هناك على أقسام:

الأول: من لا ينام إلا بعد صلاة الفجر، أو بُعيد منتصف الليل، وهو يصلي عادة في البيت، فبإمكانه أن يصلي العشاء في وقتها حتى لو تأخر دخول وقتها، ولا يجمع.
الثاني: إذا كان لا يستطيع الانتظار والسهر حتى منتصف الليل، ويشق عليه فإنه يجمع بين المغرب والعشاء؛ للأدلة السابقة.
الثالث: بالنسبة للمصلين في المسجد فأرى أن يصطلحوا على وقت معين ومحدد إذا بلغه وقت العشاء يبدؤون بجمع المغرب مع العشاء، فمثلاً اتفقنا نحن المصلين في مسجد جامعة إيست أنقليا بمدينة نورج الواقعة شرق بريطانيا: عندما يحين أذان العشاء الساعة الحادية عشرة ليلاً فما بعدها نجمع العشاءين، وذلك لوجود المشقة في الانتظار، والسهر، والعودة إلى المسجد مرة أخرى، لذا فالأخذ بفتوى الجمع يجمع شمل المصلين، ويحد من الخلاف، ويُيسر على المصلين، وأصبح هذا الاصطلاح متعارفاً عليه ومشاراً إليه في نص التقويم: (وقت بداية الجمع عندما يتأخر وقت العشاء إلى ما بعد الساعة الحادية عشرة، أو عندما لا يغرب الشفق أصلاً)، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 

*****


المصدر :
http://www.abunawaf.com/post-10829.html
Adbox